هل قدرتنا على التحمل و التكيف نعمة أم نقمة ؟

هل قدرتنا على التحمل و التكيف نعمة أم نقمة ؟

من بين أهم الصفات التي تميز الإنسان هي قدرته على التكيف مع الظروف المحيطة به، هاته الصفة التي تمكنه من البقاء على قيد الحياة و الحفاظ على النسل. و ما التاريخ إلا شاهد على هذا، فنجد مختلف الشعوب التي استطاعت الصمود رغم الظروف و رغم الصعوبات التي واجهتها، سواء كانت طبيعية كالأمراض و الأوبئة و شح الموارد الطبيعية… أو إنسانية كالحروب و التناحرات و ….

من هذا الباب تبدوا لنا هاته الصفة شيئا مفيدا و نعمة للإنسان، و لكن ماذا لو استغلت قدرة الإنسان على التحمل و التأقلم بطريقة خاطئة ؟ ماذا لو أساء هو في حد ذاته استعمالها ؟

قبل الإجابة عن هذين السؤالين، يجدر بنا الإشارة إلى أن هاته الخاصية ليست حكرا على الإنسان فقط، و إنما نجدها عند الكثير من المخلوقات. يمكننا أن نرى ذلك في تجربة مشهورة أجريت على ضفدع، و تعرف بإسم الضفدع المغلي.

تشير التجربة أننا إن حاولنا أخذ ضفدع و رميه مباشرة في ماء مغلي، فإنه سيقفز هاربا منه لأنه لا يستطيع تحمله و لأن غريزة البقاء لديه تتفعل ليعلم أن بقاءه في الماء سيقتله. و لكن إن وضعنا الضفدع في ماء معتدل الحرارة فإنه لن يقفز منه، و سيرتاح له، و من ثم نقوم بتسخين الماء ببطء شديد، فالضفدع لن يخرج من الماء في هاته الحالة، لأن ازدياد حرارة الماء البطيء لن يجعله يدرك التغير الحاصل في محيطه، و بالتالي لن يحاول الخروج من الماء و كأن قدرته على تغيير حرارة جسمه ليتحمل حرارة الماء و التكيف معها تصبح مخدرا له. و الأكثر من هذا، فإن الماء سيصل إلى درجة الغليان و يموت الضفدع فيه بعد أن تكون أجهزته الحركية قد تعطلت، و يكون قد أدرك هذا بعد فوات الأوان.

و بالعودة إلى الإنسان، نرى التشابه مع هاته التجربة في وجهين : – حينما يريد شخص ما الوصول إلى هدف ما يتطلب تغييرا، و المعنيون بهذا التغيير يرفضون ذلك لأنه صعب أو يختلف مع أفكارهم، أو يتعارض مع مبادئهم، فمن بين الطرق التي ستمكنه من بلوغ هدفه، هي تقسيم الهدف إلى أهداف كثيرة، و تطبيقها ببطء و على فترة زمنية طويلة، حتى لا يحس المعنيون بذلك، فتقبلهم لتغيير طفيف، سيفتح الباب لهم لتقبل تغيير طفيف آخر، و قدرتهم على التأقلم ستلعب دور المخدر، و تجعلهم غير مدركين للتغيير الذي يحدث من حولهم. – الوجه الآخر المشابه لتلك التجربة يتجلى في إهمال المشاكل الصغيرة حتى تتراكم، فتجد الإنسان حين تواجهه مشكلة صغيرة، إما يتجاهلها و إما يحاول أن يجد لها حلا سطحيا حتى و لو كان مؤقتا، المهم بالنسبة إليه هو مواصلة حياته الآنية من دون هاته المشكلة، و هو نوع مما يسمى بالهروب إلى الأمام، حيث أن ذلك الحل اللحظي هو الذي يلعب دور المخدر، فلا يدرك الإنسان ما قد ينجم عن ترك هاته المشكلة الصغيرة من دون حل نهائي. و من ثم إما تتراكم المشاكل الصغيرة التي حلت بطريقة مؤقتة لتنفجر يوما ما و حينها كثرتها تجعل الإنسان عاجزا عن مواجهتها، و إما أن تكون مشكلة بدأت صغيرة و من ثم تفاقمت و كبرت و أصبحت معضلة يصعب حلها و السيطرة عليها.

فالوجه الأول يمكن رؤيته مثلا في كيفية تطبيق القرارات من طرف الحكومات على الشعوب، و كيف تتأقلم الشعوب رويدا رويدا دون أن تدرك إلى أين تتجه بها هاته القرارات، سواء كانت لصالحها أو لخدمة مصالح جهات أخرى على حسابهم. أو بوجه أكثر بساطة، تحايل شخص على شخص من أجل مصلحة معينة من خلال النصب عليه تدريجيا، حتى يتخدر إدراكه للخطر للأمر المحيط به.

و الوجه الثاني يتجلى في حياتنا اليومية بعدة أوجه، مثل الخلافات بين الأشخاص، فبدل أن يتواجه الشخصان أو الأشخاص المختلفون في أمر ما، و يتحاورون بكل صدق، نجدهم يحاولون التهرب من ذلك و الاكتفاء بعدم التطرق إليه. و كثير من هاته الخلافات التي بدأت بأشياء تافهة و بدل حلها بطريقة جدية و جذرية، يتم تركها و الاكتفاء و بالراحة الحظية التي نكسبها من خلال إهمال هاته المشكلة، و الاكتفاء بهذا التخدير، و نترك المشكلة لتكبر و تخرج عن السيطرة و تصل إلى نتائج وخيمة.

ربما كانت قدرتنا على التأقلم مع التغيير نعمة، و لكن لا يمكننا أن ننفي أنها نقمة حين تكون مخدرا لوعينا و تفكيرنا. ربما أحد الحلول لهاته المعضلة هو الحرص على إبقاء وعينا يقضا دائما، و لكن كيف السبيل إلى ذلك ؟ و يجب أن نعلم أن هناك وعيا فرديا يتعلق بكل فرد على حدا، و هناك الوعي الجماعي، فما هي الوسائل التي يمكننا أن نجعل بها الوعي الجماعي يقضي على طول الوقت ؟

بقلم: حدادي توفيق المأمون

أضف تعليق

الايميل الخاص لن ينشر مع التعليق. الحقول الاجبارية مشار اليها ب: *

Cancel reply

1 Comment

  • fa
    29 يناير، 2017, 10:37 مساءً

    موضوع مميز وطريقة طرح في القمة

    REPLY
Shares
Share This